تقرير التحقيق في حرائق صوملك يحمّل أطرافًا متعددة مسؤولية الاختلالات ويوصي بفسخ صفقة «CTM»

كشف الملخص التنفيذي لتقرير لجنة التحقيق المستقلة في حرائق محطتي التحويل التابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» عن اختلالات فنية وتعاقدية ورقابية متعددة، رافقت تنفيذ مشروع ربط المحطات الكهربائية، إلى جانب قصور في منظومة الوقاية من الحرائق والتدخل السريع، وضعف في آليات تسيير المشاريع ومراقبتها داخل الشركة.
وخلص التقرير، الصادر بتاريخ 6 أكتوبر الجاري، إلى وجود صلة مباشرة بين الحريقين اللذين اندلعا يومي 21 و22 أغسطس 2026 في محطتي التحويل الشرقية بتوجنين والشمالية بتفرغ زينة، والوصلات الكهربائية الجديدة بجهد 33 كيلوفولت، التي دخلت الخدمة قبل اندلاع الحريقين بأيام قليلة.
وأوضح التقرير أن الحريق الأول وقع بعد ستة أيام من تشغيل الوصلة المعنية بالمحطة الشرقية، فيما اندلع الثاني بعد يومين فقط من تشغيل الوصلة بالمحطة الشمالية، مشيرًا إلى أن نقطة بداية الحريقين حُددت عند خلايا الجهد المتوسط المرتبطة بهذه الوصلات.
ورغم أن التحقيقات رجّحت وجود خلل في أحد ملحقات الكابلات أو أطرافها أو علب وصلها، فإن اللجنة أكدت أنها لم تتمكن من تحديد الآلية الفنية الدقيقة التي أدت إلى نشوب الشرارة الكهربائية، كما لم تثبت وجود ما يدل على أن الحريقين نتجا عن فعل متعمد أو خطأ في التشغيل.
## «CTM» و«IRAF» في صلب التحقيق
وركّزت اللجنة تحقيقاتها على صفقة توريد وتركيب وتشغيل ثلاث وصلات كهربائية جديدة، بقيمة 124 مليون أوقية جديدة، أسندت إلى شركة «ستـم للبناء» (CTM Bâtiments)، إلى جانب صفقة بقيمة 45 مليون أوقية جديدة أُسندت إلى مكتب الدراسات والاستشارات «IRAF»، المكلف بمتابعة تنفيذ أربع صفقات، من بينها صفقة الوصلات الثلاث.
وسجّل التقرير أوجه قصور متعددة في مراحل إعداد المشروع وتنفيذه ومتابعته، شملت الأطراف الرئيسية المعنية، وأشار إلى ضعف الفريق الذي عبّأه مكتب «IRAF» لمتابعة أشغال المركز الوطني للتحكم، داعيًا إلى تعزيز الفرق الفنية المكلفة بمتابعة الصفقات، واستبدال العناصر التي ثبت عدم كفاية كفاءتها بخبراء مؤهلين.
كما أوصى التقرير بتعليق أي دفعات أو عمليات استلام في إطار صفقة الوصلات الجديدة المسندة إلى «CTM»، والشروع، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها وبعد توجيه إنذار، في إجراءات فسخها، مع اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استكمال المشروع.
ودعا كذلك إلى إحالة ملف إسناد الصفقة إلى سلطة تنظيم الصفقات العمومية لفحص شروط تأهيل الشركة، ولا سيما في ضوء الطعن الرسمي المقدم من الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم» بشأن صحة شهادة حسن التنفيذ التي استُخدمت ضمن ملف الصفقة.
وطالب التقرير بإحالة العناصر المتعلقة بهذه الشهادة، مرفقة بالوثائق ذات الصلة، إلى السلطات القضائية المختصة، لتقييم ما قد يترتب عليها من آثار أو متابعات جزائية وفقًا للقانون، دون أن يعني ذلك أن التقرير حسم قضائيًا في ثبوت أي مخالفة أو مسؤولية جزائية بحق جهة بعينها.
مسؤوليات تتجاوز الشركة المنفذة
ولم يحصر التقرير الاختلالات في الشركة المنفذة والمكتب الاستشاري، بل وسّع نطاق المسؤولية ليشمل جوانب من الإشراف والرقابة والتسيير داخل صوملك، إضافة إلى أوجه قصور في منظومة الوقاية والاستجابة للحرائق.
وأكدت اللجنة أن تحديد المسؤوليات الفردية يقتضي مراعاة الصلاحيات الفعلية لكل طرف، والتزاماته التعاقدية، ومدى سلطته في اتخاذ القرار والرقابة والتشغيل، مع التمييز بين ثبوت الاختلال وثبوت تسببه المباشر في اندلاع الحريقين أو تفاقمهما.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن التحقيقات كشفت عن هشاشة مؤسسية أوسع داخل الشركة، تتمثل في عدم مواكبة الاستثمارات الرامية إلى تطوير الإنتاج والنقل بتعزيز مماثل في التنظيم والكفاءات وإجراءات التسيير والصيانة والقدرة على الإشراف على المنشآت الجديدة.
كما سجّل قصورًا في منظومة الحماية الكهربائية، وعدم كفاية الاختبارات التي أُجريت قبل وضع المنشآت تحت الجهد للتحقق من سلامة الملحقات وسلسلة الحماية، فضلًا عن غياب المصادقة الرسمية على حسن اشتغال منظومة الحماية الكهربائية.
قصور في الإنذار والإطفاء والتدخل
ورصد التقرير عوامل يُحتمل أن تكون قد ساهمت في انتشار النيران وتفاقم الأضرار، من بينها التأخر أو القصور في عزل العطل الكهربائي المحتمل، وغياب أعوان صوملك عن مواقع الحريق للتدخل الفوري، وانعدام الحواجز التي تمنع انتقال النيران بين مجموعات الخلايا.
كما أشار إلى وجود مواد قابلة للاشتعال داخل الخلايا وقنوات الكابلات، وعدم كفاية أجهزة الكشف عن الحرائق ووسائل الإطفاء، فضلًا عن طول المدة الفاصلة بين رصد الحريق وإطلاق الإنذار ووصول فرق الحماية المدنية وبدء تدخلها الفعلي، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.
وأوصت اللجنة بتعزيز الحضور البشري الدائم في محطات التحويل الرئيسية والمواقع الحساسة، وتطوير أنظمة المراقبة بالفيديو وربطها بالمركز الوطني للتحكم، وإعداد بروتوكول مشترك بين صوملك والحماية المدنية يحدد إجراءات الإنذار والتدخل وتوزيع المسؤوليات والوسائل اللازمة للطوارئ.
خسائر بمئات الملايين وتداعيات اقتصادية
وقد تسبّب الحريقان في اضطرابات واسعة بالتزويد الكهربائي في نواكشوط، استمرت، بحسب الأحياء، بين ثلاثة وخمسة أيام، وأثّرت على الأسر والأنشطة الاقتصادية.
وقدّر التقرير الخسائر الاقتصادية بنحو 0.07% من الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث من عام 2026، إضافة إلى تكاليف مباشرة تجاوزت 220 مليون أوقية جديدة، فيما بلغت الكلفة المقدرة لإعادة تأهيل محطتي التحويل المتضررتين 143.9 مليون أوقية جديدة، وفق تقديرات صوملك.
وجاءت هذه الحوادث في سياق تنفيذ برنامج استعجالي لتطوير قطاع الكهرباء، خُصص له غلاف مالي قدره 1.77 مليار أوقية جديدة، وشمل إنشاء وصلات كهربائية جديدة ومحطات تحويل وتوسعة شبكات الجهد المتوسط والمنخفض.
توصيات بإعادة هيكلة إدارة المشاريع
وتجاوزت توصيات اللجنة معالجة الأضرار المباشرة للحريقين، لتشمل إجراء تشخيص شامل لمنظومة السلامة من الحرائق في صوملك، وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة وفق إجراءات استعجالية تضمن المطابقة الفنية وسلامة أنظمة الحماية قبل إعادة التشغيل.
كما أوصت بإسناد إدارة المشاريع الاستثمارية الكبرى إلى هيئة متخصصة، منفصلة تنظيميًا عن الوحدات المكلفة بالتشغيل اليومي، ومزودة بالكفاءات والوسائل اللازمة للإشراف الفني ومراقبة التنفيذ.
ودعت اللجنة إلى مراجعة آليات قيادة مكون الكهرباء في البرنامج الاستعجالي، والاستعانة بمشغل عمومي مرجعي في القطاع لمواكبة صوملك في إصلاح هيكلتها التنظيمية، وتحسين إدارة الموارد البشرية والتكوين والصيانة، واعتماد إجراءات أكثر شفافية وتنافسية في استقطاب الأطر والقيادات.
كما شددت على ضرورة تعزيز الرقابة على تنفيذ التوصيات من خلال لجنة مصغرة تتولى متابعة الإجراءات والبت في الخيارات اللازمة ورفع تقارير دورية عن مستوى الإنجاز.
وترأس لجنة التحقيق الوزير السابق عثمان مامودو كان، وضمت في عضويتها المفتش العام للدولة سيدي محمد بيده، ومستشار رئاسة الجمهورية عثمان تال، ورئيس اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية محمد الكوري الشين، ومدير الطاقة في «اسنيم» محمدو يحيى باب.
واستندت اللجنة في أعمالها إلى المقابلات والزيارات الميدانية والاختبارات الفنية ودراسة العقود والوثائق الإدارية، بمشاركة خبراء ومكاتب دراسات متخصصة، قبل المصادقة على الملخص التنفيذي للتقرير في نواكشوط يوم 6 أكتوبر 2026.
المصباح · 8 أكتوبر 2026