نواكشوط
رأي14 أغسطس 2026· قراءة 3 دقيقة

بين الأمس واليوم؛ ذاكرة القيم:

بقلم الأستاذ عبد الرحمن سيد امحمد

بين الأمس واليوم؛ ذاكرة القيم:
كان للزمن الجميل في ذاكرتنا الاجتماعية طعمٌ آخر؛ زمنٌ كانت فيه الأخلاق رأس مال الإنسان، والاحترام عنوان المكانة، والعلم طريقاً إلى الرفعة، وحسن السلوك معياراً من معايير التقدير الاجتماعي. كان التفوق يُحتفى به لأنه ثمرة اجتهاد، وكان المعلم والعالم وأهل المعرفة يحظون بمهابةٍ لا تصنعها المناصب ولا تشتريها الأموال. وكانت القناعة قيمةً راسخة في النفوس؛ يرضى المرء بما قسم الله له، ويعمل في صمت، ويحفظ كرامته بعيداً عن التزلف واستجداء المنافع. وكان المال العام أمانةً لها حرمتها، والاعتداء عليه من أعظم المنكرات؛ لأن الوظيفة في الوعي الاجتماعي لم تكن باباً إلى الثراء، وإنما مسؤوليةً وخدمةً للناس. ولم يكن التملق السياسي والاجتماعي، بهذا الاتساع الذي نراه اليوم، وسيلةً مألوفة لصناعة المكانة أو الوصول إلى المصالح. لم تتغير الحياة وحدها، بل تغيرت معها بعض المعايير التي كنا نقيس بها النجاح والوجاهة والقيمة. دخلت العولمة إلى تفاصيل حياتنا، وحمل الإعلام الجديد معه أنماطاً جديدة من التفكير والسلوك، وأصبح الهاتف نافذة مفتوحة على عالم واسع تتداخل فيه الثقافات والقيم والصور والمصالح. ولا ينبغي أن نحمّل العولمة والإعلام الجديد وحدهما مسؤولية كل ما أصاب منظومتنا الأخلاقية؛ فالمجتمعات تتغير بطبيعتها، والتحولات الاقتصادية والتعليمية والسياسية تترك أثرها العميق في السلوك العام. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المظهر إلى قيمة، والشهرة إلى غاية، والمصلحة الخاصة إلى معيار للحكم على الأشياء، وحين يصبح الوصول إلى المال أو النفوذ أهم من الطريق الذي سلكه صاحبه للوصول إليهما. وفي المجال السياسي خصوصاً، تبدو المسألة أكثر حساسية. فحين تتحول السياسة من خدمة الشأن العام إلى البحث عن الامتيازات، وحين يصبح التملق أقصر الطرق إلى المواقع والمكاسب، وحين يُكافأ صاحب الخطاب المتزلف ويُهمّش صاحب الكلمة الصادقة. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع أن يفقد قدرته على التمييز بين النجاح والاستعراض، وبين الذكاء والانتهازية، وبين الولاء والتزلف، وبين الطموح والجشع. فالدولة لا تنهض بكثرة الأموال وحدها، وإنما تنهض حين تتأسس التنمية على الثقة، والثقة على الأخلاق، والأخلاق على تربية تبدأ من البيت والمدرسة وتمتد إلى كل المؤسسات والمجتمع. ومع ذلك، ليس المطلوب أن نبكي على الماضي أو أن نرفض العصر الجديد. فالتكنولوجيا ليست عدواً، والإعلام الرقمي يمكن أن يكون مدرسةً مفتوحة، ومنبراً للمعرفة، وأداةً للدفاع عن الحقوق ومراقبة أداء المؤسسات ونشر الثقافة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل نحن الذين نستخدم الوسائل الجديدة، أم أنها هي التي بدأت تعيد تشكيل وعينا وسلوكنا؟ إن استعادة القيم لا تعني العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، وإنما تعني أن نأخذ من الماضي أجمل ما فيه، ونصالحه مع الحاضر والمستقبل: نعيد للعلم مكانته، وللمعلم احترامه، وللعمل قيمته، وللصدق هيبته، وللمال العام حرمته، وللوظيفة العامة معناها، وللقناعة اعتبارها، وللكلمة الصادقة وزنها. فالمجتمع الذي تتقدم فيه الوسائل وتتراجع فيه الأخلاق، لا يكون قد تقدم بالضرورة؛ وإنما يكون قد غيّر أدواته دون أن يغيّر جوهر أزمته. أما النهضة الحقيقية، فهي أن نمتلك أحدث التقنيات، من دون أن نفقد أقدم فضائلنا؛ وأن ندخل العالم بثقة، لا أن نذوب فيه؛ وأن نُحدّث وسائل حياتنا، دون أن نُحدّث أخلاقنا نحو الأسوأ. وإذا كان الزمن قد تغيّر، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نمنح أبناءنا زمناً جديداً لا يقل جمالاً عن ذلك الزمن الذي نتحسر عليه؛ زمناً يكون فيه العلم طريقاً إلى المجد، والنزاهة طريقاً إلى الثقة، والعمل طريقاً إلى الرفعة، وخدمة الوطن أسمى من خدمة المصالح الضيقة. فالمجتمعات لا يحميها القانون وحده، وإنما يحميها أيضاً ضميرٌ حيّ، وأخلاقٌ عامة، وتربيةٌ تجعل الإنسان يرى في المال العام أمانة، وفي المنصب تكليفاً، وفي الوطن بيتاً لا يجوز العبث بمصيره... عبد الرحمن سيد امحمد
شارك
المصباح · 14 أغسطس 2026