الحوار الوطني: حين يصبح التنبيه واجبًا قبل فوات الأوان
الأستاذ: عبد الرحمن سيد امحمد

لا أحد يجادل اليوم في الحاجة إلى حوار وطني جاد ومسؤول، يفتح الأبواب أمام التوافق، ويعزز مناعة الدولة، ويحصن السلم الأهلي، ويمنح مختلف القوى الوطنية فرصة للإسهام في رسم ملامح المستقبل. غير أن الإيمان بالحوار لا يعني تعليق ملكة النقد، ولا يقتضي الصمت عن المحاذير التي قد تعترض طريقه. بل إن الحرص على نجاح الحوار يفرض رفع صوت التنبيه كلما ظهرت مؤشرات قد تحول هذه الفرصة التاريخية إلى مصدر جديد للتوتر والانقسام.
فالحوارات الوطنية لا تفشل عادة بسبب نقص الوثائق أو كثرة المشاركين، وإنما تفشل حين تضيق أجنداتها، أو تختل أولوياتها، أو تتحول من فضاءات للبحث عن المشترك الوطني إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية والتاريخية.
ومن هنا تبرز مسؤولية الكتّاب والمفكرين وأصحاب الرأي المستنير، الذين لا ينبغي أن يكتفوا بدور المتفرج، بل عليهم أن يساهموا في تعبئة الرأي العام، وأن يطلقوا صيحات الإنذار المبكر كلما لاح خطر يهدد وحدة المجتمع أو يضعف فرص نجاح الحوار. فالدفاع عن الوطن لا يكون فقط بمساندة المبادرات الوطنية، بل أيضا بالتنبيه إلى ما قد يعتريها من اختلالات قبل أن تستفحل.
إن أول سؤال ينبغي أن يطرح اليوم هو: هل نريد حوارًا يعالج مختلف القضايا الوطنية بروح الإنصاف والشمول، أم نريد حوارًا يركز على ملفات بعينها ويغض الطرف عن ملفات أخرى لا تقل أهمية وتأثيرًا؟
وهل من الحكمة أن يتم تقديم بعض المظالم الوطنية على أنها المظالم الوحيدة الجديرة بالنقاش، في حين أن تاريخ البلاد شهد اختلالات متعددة ومتراكمة مست جهات وفئات وشرائح مختلفة من المجتمع؟
وهل يؤدي الانتقاء إلى الإنصاف، أم يفضي إلى شعور فئات واسعة بأن آلامها وتضحياتها ومعاناتها قد تم تجاوزها أو التقليل من شأنها؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي جوهر النقاش الذي ينبغي أن يسبق أي حوار يراد له أن ينجح وأن يحظى بثقة الجميع.
وفي هذا الإطار، يظل التركيز الحصري على ملف الإرث الإنساني، دون غيره من الملفات الوطنية الكبرى، من أكثر القضايا التي تستدعي التأمل والحذر. فبعيدًا عن أهمية هذا الملف وما يمثله من بعد إنساني ووطني، فإن تحويله إلى المحور الأبرز للحوار، وإعطاء الانطباع بأنه القضية المركزية الوحيدة، قد يقود إلى نتائج لا تخدم الهدف المعلن المتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية.
فهل تحتاج موريتانيا اليوم إلى إعادة فرز مكوناتها الاجتماعية على أساس ذاكرة الجراح والاتهامات المتبادلة؟ وهل من المصلحة الوطنية إعادة فتح ملفات الماضي بطريقة قد تؤدي إلى استثارة حساسيات كامنة ظلت الدولة والمجتمع يعملان على احتوائها لعقود؟ وهل من الحكمة اختزال تاريخ المظالم الوطنية في ملف واحد، بينما توجد قضايا أخرى تتعلق بالإعدام والقتل بالرصاص والموت داخل السجون؛ وبالتهميش التنموي، والعدالة الاجتماعية، والإنصاف بين المناطق، والحوكمة، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد، وتحسين ظروف المواطنين المعيشية؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مناقشة الإرث الإنساني، فذلك حق مشروع في إطار مقاربة وطنية متوازنة، وإنما يكمن في أن يتحول هذا الملف إلى عدسة وحيدة يُنظر من خلالها إلى تاريخ البلاد، أو إلى مدخل لإصدار أحكام جماعية على مكونات وطنية بعينها، أو إلى وسيلة لإحياء انقسامات تجاوزها الوعي الوطني.
إن من أخطر ما يمكن أن يخرج به أي حوار وطني هو أن يشعر جزء من المواطنين بأنه موضوع اتهام جماعي، أو أن يشعر جزء آخر بأن مظالمه قد تم تجاهلها. فالحوار الذي ينتج غالبًا ومغلوبًا، أو ضحية دائمة وجلادًا دائمًا، لن يؤسس لمصالحة حقيقية، بل قد يزرع بذور أزمات جديدة في المستقبل.
ومن هنا فإن المطلوب ليس البحث عن ذاكرة انتقائية، وإنما بناء ذاكرة وطنية جامعة تعترف بكل المظالم التي عرفتها البلاد، وتسعى إلى تسويتها بروح العدالة والإنصاف، بعيدًا عن المزايدات السياسية والاستقطابات الضيقة.
إن موريتانيا بحاجة إلى حوار يفتح أبواب المستقبل أكثر مما يفتح دفاتر الخصومات القديمة، وإلى مشروع وطني جامع يجعل من الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ دولة القانون، وتحقيق التنمية العادلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتسوية مختلف المظالم التاريخية والاجتماعية، أولويات لا تقبل التجزئة ولا الانتقاء.
ولذلك فإن الوقت ما زال مناسبًا لإطلاق نقاش وطني صريح حول أجندة الحوار ومحاوره وحدوده وأهدافه. فالتنبيه إلى المخاطر ليس اعتراضًا على الحوار، بل هو مساهمة في إنجاحه. والتحذير من الانزلاق إلى الملفات الخلافية بطريقة غير متوازنة ليس رفضًا للعدالة، بل دفاع عن عدالة أشمل وأوسع وأقدر على جمع الموريتانيين تحت سقف وطني واحد.
إن الوطن أكبر من جميع الملفات، وأوسع من جميع الخلافات، وأبقى من جميع الحسابات السياسية. وكل حوار لا يجعل هذه الحقيقة منطلقه وغايته قد يجد نفسه، يفتح أبوابًا جديدة للاختلاف كان الأجدر أن تبقى موصدة بحكمة التوافق وحسن التقدير...
انواكشوط بتاريخ 2026/07/14
عبد الرحمن سيد امحمد
المصباح · 20 يوليو 2026